أحمد بن محمد مسكويه الرازي

213

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

إلا انا قد قلنا مع ذلك انها هيئة نفسانية تصدر عنها هذه الفضيلة ، فتصور هذه الهيئة النفسانية ، فإنك سترى رؤية واضحة ان صاحبها ينقاد لا محالة للشريعة طوعا ولا يضادها بنوع من أنواع التضاد . وذلك أنه إذا حافظ على المناسبات التي ذكرناها لأنها مساواة ، وآثرها بعد إحالة الرأي فيها على سبيل الاختيار لها والرغبة فيها ، وجب عليه موافقة الشريعة وترك مخالفتها . وأقل ما تكون المساواة بين اثنين ، ولكنها تكون في معاملة مشتركة بينهما وهو الشيء الثالث ، وربما كان شيئين كما قلنا ، فتصير المناسبات كما بينا بين أربعة أشياء وينبغي ان يعلم أن هذه الهيئة النفسانية هي غير الفعل وغير المعرفة وغير القوة . أما الفعل فلأنا قد بينا انه قد يقع على غير هيئة نفسانية كمن يعمل أعمال العدالة وليس بعادل ، وكمن يعمل اعمال الشجاعة وليس بشجاع ، وأما القوة والمعرفة فلأنّ كلّ واحدة منهما هي بعينها للضّدّين معا ، فان العلم بالضدين واحد وكذلك القوة على الضدين قوة واحدة ، وأما الهيئة القابلة لأحد الضدين فهي غير الهيئة القابلة للضد الآخر ، ومثال ذلك هيئة الشجاعة فإنها غير هيئة الجبن ، وكذلك هيئة العفة غير هيئة الشره ، وهيئة العدالة غير هيئة الجور . ثم إن العدالة والخيرية يشتركان في باب المعاملات والاخذ والعطاء ، إلا أن العدالة تقع في اكتساب المال على الشرائط التي قدمنا القول فيها ، والخيرية تقع في انفاق المال على الشرائط التي ذكرناها أيضا ومن شأن من يكتسب ان يأخذ ، فهو بالمنفعل أشبه ، ومن شأن المنفق ان يعطي فهو بالفاعل أشبه ، فلهذه العلة تكون محبة الناس للخيّر أشد من محبتهم للعادل ، الا ان نظام العالم بالعدالة أكثر منه بالخيرية ، وخاصة الفضيلة هي في فعل الخير لا في ترك الشر ، وخاصة محبة الناس